ميرزا محمد حسن الآشتياني
156
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
دوران لا يجري في المقام جزما فإنه في المتباينين إما أن يلتزم بإجراء البراءة بالنسبة إلى أحد المشتبهين أو كلاهما وعلى الأول إما أن يجعل مورد البراءة أحدهما المعيّن عندنا أو المعيّن عند اللّه تعالى وفي الواقع والنفس الأمر أو أحدهما لا على التعيين يعني مفهوم أحدهما لا سبيل إلى شيء من هذه الوجوه أما الأول فلاستلزامه الترجيح بلا مرجّح ولزومه كبطلانه ظاهر لا سترة فيه وأمّا الثاني فلأن موردها لا يخلو إمّا أن يكون ما هو جائز في نفس الأمر أو ما هو واجب كذلك وشيء منهما لا يصلح موردا للبراءة مضافا إلى لزوم لغويّتها إذ إجراؤها بحيث ينتفع بها موقوف على إحراز موردها وبعده يرتفع موضوعها كما هو ظاهر هذا مع أن إناطة الحكم الظاهري بالواقع لا يخفى بطلانها على الأوائل وأمّا الثالث فلأنه مفهوم منتزع عن المشتبهين غير متعلّق لحكم يغاير حكمهما مع أنه ممّا لا معنى له مع قطع النظر عمّا ذكر على ما عرفت تفصيل القول فيه فيتعيّن الوجه الثاني وهو إجراء البراءة بالنسبة إلى كليهما وعليه يلزم ما ذكر من الاستلزام فلا بدّ من الالتزام بوجه ثالث وهو وجوب الاحتياط وهذا بخلاف المقام فإنه لو حكم بجريان البراءة بالنسبة إلى الجزء المشكوك أو الأكثر كما هو المدّعى لم يعارض بجريانها بالنسبة إلى الأقلّ فإن القطع بوجوبه واستحقاق العقوبة عند تركه مانع من الرجوع إلى البراءة بالنسبة إليه وليس فيه ترجيح بلا مرجّح أصلا للفرق بينهما بما يوجب تعيين جريانها بالنسبة إلى الأقلّ حسبما عرفت ( قوله ) قدس سره وأمّا عدم معذورية الجاهل إلخ ( 1 ) ( أقول ) حاصل ما أفاده في بيان عدم جريان الدّليل الثاني لعدم صلاحيّة مانعيّة الجهل في المتباينين في المقام هو أن الشكّ في المتباينين لم ينحل إلى معلوم تفصيلي ومشكوك بالشكّ البدوي بل كان طرفا لشبهة متساويين من حيث احتمال تحقق المعلوم بالإجمال وانطباقه على كل واحد منهما فيكون نظير الشكّ الحاصل للجاهل المقصّر العالم إجمالا بوجود واجبات ومحرّمات كثيرة في الشريعة فمعذوريّة الجاهل في المتباينين مستلزمة لمعذوريّة الجاهل المقصّر بالنسبة إلى الواقع مع كونها خلاف الإجماع في الجملة أو مطلقا بناء على عدم قدح مخالفة من ذهب إلى كون عقاب خصوص الغافل من المقصّر على ترك تحصيل العلم عند الالتفات على ما ستسمعه بعد ذلك أو المشهور بينهم وهذا بخلاف المقام لما أسمعناك من انحلال المعلوم بالإجمال فيه إلى معلوم ومشكوك فالحكم بمعذورية الجاهل فيه بالنسبة إلى المشكوك لا يلازم الحكم بمعذورية الجاهل المقصّر ولا يقاس أحدهما بالآخر نعم يشابه العلم الإجمالي في مفروض البحث العلم الإجمالي بالواجبات والمحرّمات الكثيرة في الشريعة مع تردّد المعلوم بالإجمال بين الأقلّ والأكثر ومن هنا بنينا على الرجوع إلى البراءة بالنسبة إلى الزائد على الأقل المتيقّن من المعلوم بالإجمال بعد تحصيل العلم به في غير موضع من كلماتنا السابقة ولعله يأتي الإشارة إليه في مطاوي ما يبحث عنه بعد ذلك كما أنه يشابهه في عدم جواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص عمّا يكون حاكما أو واردا على البراءة من الأدلّة من حيث اشتراط الفحص في الشبهة الحكميّة في الرجوع إلى الأصل مطلقا بالأدلّة الأربعة لكنه أمر مفروغ عنه لا تعلّق له بالمقام أصلا لأن الكلام في حكم المسألة بعد إحراز ما هو شرط لجريان الأصل كما هو واضح [ في أن المثال المذكور في الكتاب للكليّة لا يخلو عن مناقشة ] ( قوله ) قدس سره كما لو علم إجمالا بكون أحد من الإناءين إلخ ( 2 ) ( أقول ) حاصل ما أفاده من عدم تأثير العلم الإجمالي في إيجاب الاحتياط فيما لو انحل المعلوم بالإجمال إلى المعلوم بالتفصيل والمشكوك بالشكّ البدوي ممّا لا خفاء فيه ولا ريب يعتريه على ما عرفت توضيح القول فيه مرارا إلا أن ما مثل به للكليّة المذكورة وشابه المقام به لا يخلو عن مناقشة لأن العلم الإجمالي بالخمر في المثال يوجب العلم بتوجّه خطاب إجمالي ولو بالنسبة إلى معلوم النجاسة تفصيلا ضرورة أن حرمة الخمر ليست من حيث نجاسته واستخباثه ولذا لا يكون إشكال في تعدّد العقاب فيما لو شرب مائعا يعلم بكونه مركّبا من الخمر والبول وهذا بخلاف ما لو شرب مائعا يعلم بوجود البول والغاية فيه مثلا فإنه لا إشكال في وحدة العقاب فيه لوحدة الخطاب فالمتعيّن التمثيل له بما إذا علم المكلّف بوقوع قطرة من البول من أحد إناءين يعلم بنجاسة أحدهما المعيّن من جهة كونه بولا أو بنجس آخر من النجاسات التي لم يثبت لها جهة تحريم من غير جهة النجاسة بناء على تداخل النجاسات حكما من حيث وجوب الاجتناب في الأكل والشرب وإن لم يتداخل من حيث المانعيّة في الصلاة ( ثمّ ) إنه لا بد من أن يعلم وجود الفرق الواضح بين المقام والمثال الذي ذكرناه وأمثاله مما لم نذكره وإن لم يكن فرق بينهما من حيث الرجوع إلى البراءة بالنسبة إلى المشكوك حيث إن العلم الإجمالي في المقام يؤثر في توجيه الخطاب وتنجيزه بالنسبة إلى المعلوم بالإجمال في الجملة ولو بالنسبة إلى الأقلّ ويوجب في حكم العقل لزوم إطاعته بحيث لولاه لم يكن هناك ملزم عقلي أصلا لعدم المقتضي له سواه وهذا بخلاف العلم الإجمالي في المثال ونظائره فإنّه لا يؤثر في الخطاب المنجّز أصلا لأن الحكم بوجوب الاجتناب عن الطرف المعيّن مستندا إلى العلم التفصيلي المفروض بالنسبة إليه ولو لم يكن هنا علم إجمالي أصلا ومن هنا قيل بالفرق بينهما حكما من حيث تأثير العلم الإجمالي في المقام في تنجيز الخطاب فيقتضي تحصيل القطع بالبراءة كما زعمه القائل بوجوب الاحتياط في المسألة وهذا بخلاف المثال وأشباهه فإنه لم يتوهم أحد وجوب الاحتياط بالنسبة إلى الطرف المشكوك وإن كان هذا الفرق فاسدا عندنا على ما عرفت وبالجملة الفرق بين العلمين لا يكاد أن يخفى فالغرض تشبيه المقام بالمثال في عدم تأثير العلم الإجمالي بالنسبة إلى الطرف المشكوك بالشكّ البدوي لا مطلقا كما هو واضح ( قوله ) قدس سره وممّا ذكرنا يظهر أنه يمكن التمسّك في عدم إلخ ( 3 ) ( أقول ) وجه ظهور ما أفاده مما ذكره في المقام من جهة كون الأقلّ معلوم الوجوب تفصيلا فكما لا يعارض جريان البراءة بالنسبة إلى الجزء المشكوك أو الأكثر بجريانها في الأقل كذلك لا يعارض جريان أصالة العدم بالنسبة إلى وجوب الجزء أو الأكثر بجريانها بالنسبة إلى الأقل والقول بأن المعلوم بالنسبة إلى الأقلّ هو مطلق الوجوب لا خصوص النفسي والغيري فيعارض الأصل بالنسبة إلى كلّ من الخصوصيتين في الجزء المشكوك أو الأكثر بمثله بالنسبة إلى الأقل فيقع التعارض لا محالة وهذا بخلاف بالبراءة فإن إجراءها بالنسبة إلى الجزء أو الأكثر لا يعارض بإجرائها بالنسبة إلى الأقل فإن الخصوصيّات ملغاة